محمد الغزالي
209
فقه السيرة ( الغزالي )
قيادة تهوي إليها الأفئدة عن عبد اللّه بن سلام قال : أول ما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت فيمن جاءه ، فلمّا تأملت وجهه ، واستثبتّه علمت أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب ! قال : وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال : « أيّها الناس ! أفشوا السّلام ، وأطعموا الطّعام ، وصلّوا بالليل والنّاس نيام ، تدخلوا الجنّة بسلام » « 1 » . إنّ أضواء الباطن تنضح على الوجه ، فتقرأ في أساريره آيات الطّهر ، وقد ذهب عبد اللّه يستطلع أخبار هذا الزعيم المهاجر ، فنظر إليه يحاول استكشاف حقيقته ، فكان أوّل ما اطمأنّ إليه بعد التثبّت من أحواله أنّ هذا ليس بكاذب ، والملامح العقلية والخلقية لشخص ما لا تعرف بنظرة خاطفة ، ولكنّ الطابع المادي الذي يضفي على الروح الكبير كثيرا ما يكون عنوانا صادقا على ما وراءه . على أنّ الذين عاشروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أحبّوه إلى حد الهيام ، وما يبالغون أن تندقّ أعناقهم ولا يخدش له ظفر . وما أحبّوه كذلك إلا لأنّ أنصبته من الكمال الذي يعشق عادة لم يرزق بمثلها بشر . كان ثوبان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شديد الحبّ له ، قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ، يعرف الحزن في وجهه ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما غيّر لونك ؟ » فقال : يا رسول اللّه ! ما بي مرض ولا وجع ؛ غير أنّي إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم إنّي إذا ذكرت الآخرة أخاف ألا أراك ؛ لأنّك ترفع إلى عليين مع النبيين ، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه الترمذي : 3 / 313 ؛ وابن ماجة : 1 / 400 - 401 ؛ والحاكم : 3 / 13 ؛ وأحمد : 4 / 451 ؛ وقال الترمذي : « حديث صحيح » ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط الشيخين » ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا .